تعلمت أن أبكي

الأشخاص الذين بقوا · النسخة العربية  ·  رقم 14

تعلمت أن أبكي


لسنوات طويلة ظننت أن القوة تكمن في التحكم. التحكم في الكلمات. التحكم في المشاعر. التحكم في ردود الفعل. التحكم في الألم. كانت فكرة تشرّبتها ببطء، كما يحدث مع كل القناعات العميقة. لم يعلّمني إياها أحد صراحة. لم يقل لي أحد: «الرجل لا ينبغي أن يبكي» ومع ذلك كانت تلك الرسالة في كل مكان. في الأحاديث. في السلوكيات. في النماذج. في النظرات. في الثقافة نفسها. هكذا تعلمت باكرًا قاعدة بسيطة. الصمود. دائمًا. مهما حدث. الصمود. في شبابي كنت أعتقد أن هذه فضيلة. اليوم أعرف أنها كانت مجرد استراتيجية. استراتيجية نافعة في بعض اللحظات. وخطيرة في لحظات كثيرة أخرى. لأن كل ما يُكبت طويلًا، إن عاجلًا أو آجلًا، يبحث عن مخرج. الألم لا يختفي. الخوف لا يختفي. الحزن لا يختفي. إنها تغيّر شكلها. تختبئ. تنتظر. ثم، حين لا نتوقع ذلك أبدًا، تطرق الباب. أذكر فصلًا من حياتي بدا فيه أن كل شيء يطلب قوة. العمل. العائلة. المسؤولية. المرض. القرارات. أشخاص يعتمدون علّي. أشخاص يحتاجون إلى إجابة. أشخاص يبحثون عن اتجاه. لم يكن بوسعي أن أسمح لنفسي بالتوقف. هكذا كنت أعتقد على الأقل. كل يوم كنت أضيف عبئًا جديدًا.

كل يوم كنت أؤجل أكثر اللحظة التي سأصغي فيها إلى نفسي. إلى أبعد. إلى أبعد دائمًا. من المدهش كم يستطيع الإنسان أن يتجاهل عالمه الداخلي طويلًا. لكن ليس إلى الأبد. لا أحد يستطيع ذلك إلى الأبد. تأتي لحظة يبدأ فيها الجسد برواية ما يرفض الصوت قوله. التعب يزداد. النوم يتغيّر. الذهن يُرهق. المشاعر تصبح أكثر هشاشة. وببطء تفهم أنك لا تحارب العالم. بل تحارب نفسك. وصلت الحقيقة بطريقة بسيطة. كما تفعل الحقائق الأصيلة دائمًا. من دون مؤثرات خاصة. من دون إعلانات. من دون استعراض. ذات يوم صار الحمل أثقل من أن يُحتمل. وصارت الدفاعات أصغر من أن تكفي. أذكر الصمت. أذكر الوحدة. أذكر الإحساس المفاجئ بأنني لست مضطرًا إلى أداء أي دور. للمرة الأولى منذ زمن طويل لم أكن رجلًا مهنيًا. لم أكن أبًا. لم أكن زوجًا. لم أكن مديرًا. لم أكن مؤلفًا. كنت مجرد إنسان. وبكيت. لا بكاءً أنيقًا. ولا بكاءً مضبوطًا. بكاءً حقيقيًا. من ذلك النوع الذي يأتي من بعيد. من ذلك النوع الذي يعبر السنين. من ذلك النوع الذي يحمل معه أشياء لم تكن تذكر حتى أنك احتفظت بها. وبينما كان يحدث، انتابني إحساس غير متوقع. ليس بالضعف. بل بالتحرر.

كأن غرفة ظلت مغلقة طويلًا فتحت نوافذها أخيرًا. كأن الهواء عاد يتحرك من جديد. كأن شيئًا ما، أخيرًا، كفّ عن أن يكون حبيسًا. عندها فهمت أمرًا جوهريًا. المشاعر ليست أعداء. إنها رسل. تأتي لتخبرنا شيئًا. تجاهلها لا يمحوها. بل يجعلها فقط أعلى ضجيجًا. لسنوات اعتقدت أن الشجاعة تكمن في عدم الاستسلام. في تلك اللحظة فهمت أن الشجاعة تكمن أيضًا في أن تسمح لنفسك بأن تُعبر. بالألم. بالخوف. بالحزن. بالحقيقة. كثيرًا ما يتخيل الناس الهشاشة شرخًا. أما أنا فاكتشفت أنها قد تصبح بابًا. لأنك في اللحظة التي تكفّ فيها عن الدفاع عن نفسك ضد كل شيء، تبدأ أخيرًا في معرفة نفسك. ومعرفة النفس أصعب بكثير من الانتصار في معارك خارجية كثيرة. منذ ذلك اليوم تغيّر شيء ما. لم أصبح فجأة أكثر حكمة. ولم أصبح فجأة أكثر قوة. أصبحت أكثر أصالة. وهذا شيء مختلف. بدأت أتكلم بطريقة مختلفة. وأصغي بطريقة مختلفة. وأنظر إلى الآخرين بمزيد من التفهم. لأن من عبر ألمه يتعرف بسهولة أكبر على ألم الآخرين. لا يحكم عليه. لا يستخف به. لا يبحث فورًا عن حل. بل يعترف به. وهذا الاعتراف هو في ذاته شكل من أشكال المساعدة. مع مرور الوقت بدأت أرى الهشاشة في ضوء جديد.

الأشخاص الذين كنت أعجب بهم أكثر لم يكونوا أولئك الذين يبدون غير قابلين للهزيمة. بل كانوا الصادقين. أولئك القادرين على إظهار إنسانيتهم من دون تحويلها إلى استعراض. أولئك الذين لا يخافون أن يقولوا: «إنني أبذل قصارى جهدي» لأن هذا، في النهاية، ما نفعله جميعًا. قصارى جهدنا. في بعض الأيام يكون كثيرًا. وفي أيام أخرى يكون قليلًا. لكنه دائمًا ما نملك. حين أنظر إلى الوراء، لا أعتبر تلك اللحظة هزيمة. بل أعتبرها عتبة. واحدة من أهم عتبات حياتي. قبلها كنت أظن أن القوة تعني ألا تبكي. بعدها فهمت أن القوة تعني ألا تخاف من دموعك. لأن ثمة شكلًا من النضج لا يأتي إلا حين نكفّ عن التظاهر. حين نكفّ عن التصنّع. حين نكفّ عن التمثيل. ونقبل أخيرًا طبيعتنا البشرية. الهشة. الناقصة. الناقصة على نحو رائع. اليوم لا أذكر اليوم بالتحديد. لا أذكر الساعة. ولا أذكر حتى كل الظروف. أذكر فقط ما تعلمته. أن الألم المتقاسم أخف وطأة. أن الحقيقة تحرر أكثر من الكبرياء. أن الهشاشة لا تدمر الكرامة. بل تكملها. وأذكر قبل كل شيء عبارة ما كنت لأعرف نطقها آنذاك. عبارة بسيطة. عبارة غيّرت أشياء كثيرة. تعلمت أن أبكي. ومنذ ذلك اليوم بدأت أفهم نفسي على نحو أفضل.


Ferdinando Frega
Gillette Man ⚔️

PDF→ العودة

استكشف الملاحم الأخرى

Library · Vatican · Genesis · Opera

← العودة إلى الصفحة الرئيسية