اللقاء الذي لا تتوقعه أبداً

الطبعة العربية  ·  VATICAN SAGA · 12/17

اللقاء الذي لا تتوقعه أبداً


لم أكن يوماً متحمّساً بشكلٍ خاصّ لوسائل التواصل الاجتماعي.

في الحادية والستّين من عمري، كنت دائماً أعدّها ميدان تدريبٍ للأصغر سنّاً. أو هكذا كنت أفترض على الأقلّ.

لكنّ زوجتي دفعتني إلى التسجيل.

بحسبها، سيساعدني ذلك على كسب مزيدٍ من الظهور لموقع gillettenarrative.com، وعلى تعريف الناس بمن أكون، وتقديم مشروعي إليهم. تلك، على الأقلّ، كما زعمت، كانت نواياها النبيلة.

لكنّ الشبكة الاجتماعية تبيّن أنّها أعقد بكثير من إطاري الذهنيّ.

بدل أن أروّج لنفسي وأحقن روابط منشوراتي في كلّ مكان، اكتفيت برفع صورةٍ وبياناتي الشخصية. ما يكفي فقط لأقول من أكون، من غير أن أتظاهر بأنّني شخصٌ آخر.

كانت تلك دائماً قاعدةً فرضها أبي.

طوال حياته كرّر المبدأ نفسه مراراً وتكراراً:

أوّلاً الوقائع، ثمّ الأدب الأسود.

بعض ما حدث في الأيّام السابقة، ممّا يتّصل بموقع صفحتي في نتائج البحث، والذي لاحظته بالمصادفة تقريباً، لم يدفعني قطّ إلى الاعتقاد بشيءٍ سوى أنّني وحدي، أراقب وأقرأ.

لم أتخيّل قطّ، ولا حتى من بعيد، أنّ آخرين كانوا يراقبون أيضاً.

وأنّهم قد يأتون من كلّ زاويةٍ في العالم.

زوجتي، ببعد نظرها المعتاد، ذكّرتني بأن أميّز تمييزاً واضحاً بين ما هو حقيقيّ وما قد يكون مجرّد تزييف.

ثمّ سألتني سؤالاً زعزعني تماماً.

«راجعت تحاليل الدم التي أجريتها قبل بضعة أشهر لأنّني أصررت على رؤيتها. قيمة التستوستيرون لم تكن مذكورة، فاتّصلت بالمختبر وسألت عن السبب.»

توقّفت قليلاً قبل أن تتابع.

«قالوا لي إنّ نظام تقاريرهم لا يعرض إلا القيم حتى ثلاث خانات. وقيمتك لم تظهر لأنّها من أربع.»

قالت لي إنّها سألت إن كان قد وقع خطأ، وإن كانوا يتحدّثون عن الشخص نفسه.

أكّدوا بياناتي الشخصية.

ثمّ، بحسب زوجتي، أضافت إحدى موظّفات الاستقبال مبتسمة:

«سيّدتي، حين تملّين زوجك، أرسليه إلينا.»

الانتباه، وكأنّه قدرٌ لا حكم، كان يصلني دائماً عبر نساءٍ استثنائيات يقِسن نواياهنّ بالكلمات والصور.

الرسالة الأولى اكتفت بطرح أسئلة.

ابتسمت ومضيت.

ثمّ جاءت رسالةٌ أخرى تحوي رقم WhatsApp وطلباً بالتواصل.

وأخيراً جاءت الأخيرة.

«أريد أن أعرفك. أفكّر فيك طوال الليل. أنا أميركية، في الثامنة والأربعين، عزباء، وأريدك.»

ابتسمت.

لكنّني لم أستطع مقاومة الردّ.

كتبت:

«سيّدتي العزيزة، كلماتك تُطريني، لكن ثمّة ثلاثة أسباب تُبقينا متباعدَين: المسافة، وفارق السنّ، وزوجتي.»

«العقبتان الأوليان يمكن تجاوزهما على الأرجح. أمّا زوجتي فسأزوّدك بسرورٍ برقم هاتفها كي تتّفقا في ما بينكما على ترتيبٍ ممكن.»

«ربّما تستطيعان تقسيمي بين الأيّام الزوجية والأيّام الفردية.»

«لكن لا تختزلاه إلى نوباتٍ بالساعة. أنا لست رجل جداول وساعات.»

«أنا شخصٌ لا تتوقّعينه، وحين يعتاد الناس عليّ، يصير التخلّي عنّي صعباً إلى حدٍّ ما.»

بعد ساعاتٍ قليلة، دخلت زوجتي مكتبي مبتسمة.

أخبرتني أنّها تلقّت رسالةً من امرأةٍ أميركية وأرادت أن تعرف ماذا عليها أن تفعل.

كان جوابي الفوريّ بسيطاً:

«أيّ شيءٍ يسعدكما معاً.»

ثمّ أضفت:

«تذكّري فقط أنّني أكره أن أرى امرأةً تبكي. لا يعجبني إلا أن أراهنّ يبتسمن.»

استدارت وخرجت من الغرفة من غير أن تقول كلمة.

ومع ذلك كانت تلك أوّل مرّةٍ أستعمل فيها وسائل التواصل الاجتماعي لأجري حواراً فعلياً.

في ذلك المساء على العشاء ظلّت تراقبني.

ابنتي كانت تضحك.

ثمّ انفجرت زوجتي فجأة:

«رأيت صوراً لك من قبل سنتين، ولم تعد الشخص نفسه.»

حدّقت فيّ مباشرة.

«من تكون بحقّ الجحيم، حقاً؟»

أجبت من غير تردّد:

«أنا Ferdinando Frega، مؤسّس ومالك gillettenarrative.com، أحد زملاء يسوع المسيح في Gillette.»

انفجرت ضاحكة.

ثمّ أعلنت، بصوتٍ عالٍ يكفي ليسمعه كلّ من على الطاولة، أنّها لن تشاركني أبداً مع امرأةٍ أخرى.

لسببٍ بسيطٍ واحد.

كنت سلفاً قادراً تماماً على تقسيم نفسي من غير إذنٍ من أحد.

وكان ذلك على ما يرام.


Ferdinando

PDF ← الطبعة العربية